محمد بن السري بن سهل ( ابن سراج )
408
الأصول في النحو
فأما قولهم : مررت بالرجل كلّ الرجل ، فقال أبو العباس معناه : مررت بالرجل المستحقّ ؛ لأن يكون الرجل الكامل لأنك لا تقول : ذاك إلا وأنت تريد حزمه ونفاذه أو جبنه وشجاعته وما أشبه ذلك فإذا قلت : مررت بالرجل كل الرجل فهو كقولك : مررت بالعالم حقّ العالم ومررت بالظريف حقّ الظريف ولو قلت على هذا : مررت بزيد كل الرجل لم يجز إلا ضعيفا ؛ لأن زيدا اسم علم وليس فيه معنى تقريظ ولا تخسيس وكذلك : مررت برجل كلّ رجل وبعالم حق عالم وبتاجر خير تاجر فجميع هذا ثناء مؤكد وليس بنعت يخلص واحدا من آخر ولو قلت : زيد كلّ الرجل فجعلته خبرا صلح ؛ لأنه ليس بتأكيد لشيء ولكنه ثناء خالص كما تقول : زيد حقّ العالم وزيد عين العالم لأنك لو قلت : مررت بزيد حقّ العالم لم يكن هذا موضعه وتقول : مررت بالرجلين كليهما ومررت بالمرأتين كلتيهما ولك أن تجري ثلاثتهم وأربعتهم مجرى كلهم فتقول : مررت بهم ثلاثتهم ولك أن تنصب كما تنصب ( وحده ) في قولك : مررت برجل وحده وكذلك المؤنث : مررت بهن ثلاثتهن وأربعتهن ولك أن تقول : أتينني ثلاثتهن وأربعتهن نصبا ورفعا قال الأخفش : فإذا جاوزت العشرة لم يكن إلا مفتوحا إلى العشرين تقول للنساء أتينني ثماني عشرهن وللرجال أتوني ثمانية عشرهم ، وأما نصبك ( وحده ) فعلى المصدر كأنك قلت : أوحدته إيحادا فصار وحده كقولك : إيحادا كأنك قلت : أفردته إفرادا وتقول : إنّ المال لك أجمع أكتع إذا أردت أن تؤكد ما في ( لك ) . وأما ( كلهم ) فالأحسن أن تكون جامعين وقد يجوز أن تلي العوامل وتقول إن القوم جاءوني كلهم وكلهم : النصب إذا أكدت ( القوم ) والرفع إذا أكدت الفاعلين المضمرين في ( جاءوني ) ويجوز أن تقول : إن قومك كلهم ذاهب يحسن عند الخايل أن يكون مبتدأ بعد أن تذكر ( قومك ) فيشبه التوكيد ؛ لأن التوكيد لا يكون إلا جاريا على ما قبله ويجوز أيضا قومك ضربت كلهم لهذه الإضافة الواقعة في ( كلّ ) فصار معاقبا ( لبعضهم ) كقولك : ضربت بعضهم وهو على ذلك ضعيف والصواب الجيد : قومك ضربتهم كلهم ؛ لأن المعنى معنى ( أجمعين ) في العموم والتأكيد فأما قوله عز وجل : قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [ آل عمران : 154 ] فالنصب على التوكيد للأمر والرفع على قولك : إن الأمر جميعه للّه .